صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
5050
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
المقتنص على يقين ، وفي الظّفر بالصّيد على شكّ . وهذا القياس الخاطىء يتيقّن منه المؤمن وليقينه مدركان . أحدهما : الإيمان والتّصديق وتقليدا للأنبياء والعلماء ، وذلك أيضا يزيل الغرور وهو مدرك يقين العوامّ وأكثر الخواصّ ، ومثالهم مثال مريض لا يعرف دواء علّته وقد اتّفق الأطبّاء على أنّ دواءه النّبت الفلانيّ ، فإنّ المريض تطمئنّ نفسه إلى تصديقهم ولا يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين الطّيّبة ، بل يثق بقولهم ويعمل به . والخلاصة : أنّ غرور الشّيطان بأنّ الآخرة شكّ ، يدفع إمّا بيقين تقليديّ ، وإمّا ببصيرة ومشاهدة من جهة الباطن ، والمؤمنون بألسنتهم وعقائدهم إذا ضيّعوا أوامر اللّه تعالى وهجروا الأعمال الصّالحة ولا بسوا الشّهوات والمعاصي فهم مشاركون للكفّار في هذا الغرور لأنّهم آثروا الحياة الدّنيا على الآخرة ، إلّا أنّ أمرهم أخفّ لأنّ أهل الإيمان يعصمهم من عقاب الأبد فيخرجون من النّار ولو بعد حين . ولكنّهم أيضا من المغرورين الّذين آثروا الحياة الدّنيا ، ومجرّد الإيمان لا يكفي للفوز ، قال تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( طه 28 ) . المثال الثّاني : غرور العصاة من المؤمنين . . بقولهم : إنّ اللّه كريم وإنّا نرجو عفوه ، واتّكالهم على ذلك وإهمالهم الأعمال ، وتحسين ذلك بتسمية تمنّيهم واغترارهم رجاء وظنّهم أنّ الرّجاء مقام محمود في الدّين ، وأنّ نعمة اللّه واسعة ورحمته شاملة ويرجونه بوسيلة الإيمان . فإن قلت فأين الغلط في قولهم هذا ، وقد قال المولى أنا عند ظنّ عبدي بي ، فليظنّ بي خيرا فهذا كلام صحيح مقبول في الظّاهر ولكن اعلم أنّ الشّيطان لا يغوي الإنسان إلّا بمثل هذا ولولا حسن الظّاهر لما انخدع به القلب ، ولكنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كشف عن ذلك فقال : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على اللّه » ، وهذا التّمنّي على اللّه غيّر الشّيطان اسمه فسمّاه رجاء حتّى خدع به الجهّال ، وقد شرح اللّه الرّجاء فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ( البقرة / 218 ) يعني أنّ الرّجاء بهم أليق ، لأنّ ثواب الآخرة أجر وجزاء على الأعمال فقد قال تعالى : وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ( آل عمران 185 ) ، فلو أنّ شخصا استؤجر لإصلاح شيء وشرط له أجرة ، وكان الشّارط كريما بما يفي بالوعد ويزيد عليه ، فجاء الأجير وأخذ هذا الشّيء ثمّ جلس ينتظر الأجر بزعم أنّ المستأجر كريم ، أفيرى العامل ذلك تمنّيا وغرورا أم رجاء ؟ وهذا للجهل بالفرق بين الرّجاء والغرّة ، وقد قيل للحسن : قوم يقولون نرجو اللّه ويضيّعون العمل ، فقال : هيهات هيهات تلك أمانيّهم يترجّحون فيها ، من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه . فإن قلت فأين مظنّة الرّجاء وموضعه المحمود : فاعلم أنّه محمود في موضعين : أحدهما في حقّ العاصي المنهك إذا خطرت له التّوبة فيقنّطه الشّيطان ، هنا يقمع القنوط بالرّجاء ، ويتذكّر قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً